القاضي عبد الجبار الهمذاني

82

المغني في أبواب التوحيد والعدل

شبهة أخرى لهم قالوا : إذا كان لا بد في شريعة محمد صلى اللّه عليه وهو خاتم الأنبياء ، من حافظ ومبلغ ، وكان لا يصح أن يقع ذلك بالتواتر ، فلا بد من إثبات إمام معصوم يكون في كل حال بمنزلة الرسول في أنه يبلغ ويعلّم ويرجع إليه في المشكل ويؤخذ عنه الدين . وكما لا يجوز أن لا يكون الرسول مع الحاجة إلى معرفة الشريعة ، فكذلك لا يجوز أن لا يكون الإمام في كل حال مع الحاجة إلى ذلك . وقدحوا في التواتر بوجوه ، قد قدمنا ذكرها في باب الأخبار . وأحدها : أن كل واحد منهم إذا جاز أن يكتم النقل ويكذب ويغير ، فيجب جواز ذلك على جميعهم وأن لا يصح القطع على صحة خبرهم . واعلم أن أمثال هذه الشبه لا يجوز أن يكون مبتدؤها إلا من ملحد طاعن في الدين ؛ لأنها إذا صحت وجب بطلان النبوة والإمامة ؛ لأنّا إنما نعلم بالتواتر كون النبي وكون القرآن ، ووقوع التحدي ، وأنه لم يقع من جهتهم معارضة ، وبه يعلم ثبات الشرائع ونسخ المنسوخ منها ، وبه يعلم أنه عليه السلام خاتم النبيين ، وأن شريعته ثابتة ، وأنه لا نبي معه ، ولا بعده ، إلى غير ذلك . فالطاعن في التواتر يريد التشكيك وجميع ما قدمناه مما بإبطاله أو بإبطال بعضه يبطل الدين ، فكيف يعلم مع فساد التواتر القرآن ؟ ونميزه من غيره حتى يكون حجة ؟ وهذا القول أداهم إلى جواز الزيادة في القرآن وأنها قد كتمت . وإن لم يثبت التواتر فكيف نعلم الإمام المعصوم ؟ لأنه لا يمكن في إثباته إلا أحد طريقين : إما النص ، أو المعجز . ولا بد في صحتهما من التواتر ؛ لأن لا يمكن إثبات النص عند كل مكلف إلا بهذا الوجه ، وكذلك القول في المعجز إذا كان به يتبين الإمام من غيره . وبه تعرف إمامته .